فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

سورة العنكبوت مكية وقيل مدنية وقيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة وباقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر العشر بالمدينة وباقيها بمكة وبالعكس ، وهي سبعون أو تسع وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم * ( ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) * . المسألة الأولى : في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه الأول : لما قال الله تعالى قبل هذه السورة : * ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) * ( القصص : 85 ) وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهراً غالباً على الكفار ظافراً طالباً للثأر ، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى : * ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) * ولا يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني : هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة * ( وادع إلى ربك ) * ( القصص : 87 ) وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب ، لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال : * ( أحسب الناس أن يتركوا ) * الوجه الثالث : هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة * ( كل شيء هالك إلا وجهه ) * ( القصص : 88 ) ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال : * ( له الحكم وإليه ترجعون ) * يعني ليس كل شيء هالكاً من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله . إذا تبين هذا ، فاعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة فيها . فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه ، بل حسن التكليف ليثيب